المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الْكَرَّةُ المُبَارَكَةُ وَالْكَرَّةُ الْخَاسِرَةُ


بو هاشم الموسوي
08-27-2015, 08:13 PM
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَالْعَنْ عَدُوّهُم


هذه سطور قليلة في التدبّر بأحاديث أهل بيت النبوّة (عليهم السّلام)، وإنْ شئت قُل مثالٌ تطبيقي على أنّ القرآن الكريم لا يُفسَّر إلّا بالحديث الشّريف، والحديث الشّريف لا يُفسَّر إلّا بالحديث الشّريف، فهم منظومة متكاملة تُكمّل بعضها البعض، ولا تُفهم هذه المنظومة المُقدّسة إلّا بمُلازمة الثّقلين الشّريفيْن والتدبّر فيهما؛ والابتعاد عَنْ القواعد والعلوم الّتي وضعها فُلان وفُلان الّتي ما أنزل الله تعالى بها مِنْ سُلطان.
فالفهم الصّحيح لا يتمّ إلّا بمُلازمة القرآن الكريم وروايات العِترة الشّريفة.
فالآيات القُرآنيّة والرّوايات والأحاديث الشّريفة لا نفسّرها بعقولنا النّاقصة، ولا بآرائنا الفاسدة ونأتي بعلوم المخالفين ونشرح بها الأحاديث ونفسّر بها القرآن؛ بل القرآن لا يفسّره إلّا الحديث والحديث يفسّره الحديث وهذا لا يتمّ إلّا بملازمة القرآن الكريم وروايات العِترة ونبذ علوم المُخالفين.
- الرّواية الأُولى: روى الشّيخ أبو جعفر الكُليني بسنده عن ابن أبي شَيْبَةَ الزُّهْرِيِّ عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: "قال رَسُول الله (صلّى الله عليه وآله): المَوْتَ المَوْتَ. أَلَا وَلَا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، جَاءَ بِالرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ وَالْكَرَّةِ المُبَارَكَةِ إِلَى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لأَهْلِ دَارِ الْخُلُودِ، الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وفِيهَا رَغْبَتُهُمْ، وجَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه بِالشِّقْوَةِ وَالنَّدَامَةِ وَبِالْكَرَّةِ الْخَاسِرَةِ إِلَى نَارٍ حَامِيَةٍ لأَهْلِ دَارِ الْغُرُورِ، الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وفِيهَا رَغْبَتُهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: وقَالَ: إِذَا اسْتَحَقَّتْ وَلَايَةُ اللهَ وَالسَّعَادَةُ جَاءَ الأَجَلُ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ وذَهَبَ الأَمَلُ وَرَاءَ الظَّهْرِ، وَإِذَا اسْتَحَقَّتْ وَلَايَةُ الشَّيْطَانِ والشَّقَاوَةُ جَاءَ الأَمَلُ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ وذَهَبَ الأَجَلُ وَرَاءَ الظَّهْرِ. قال: وسُئِلَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ فَقَالَ: أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا".[الكُليني، الكافي، 3/ 257-258، ح27 كتاب الجنائز].
هذا الحديث الشّريف حتّى تستطيع فهمه عليك أنْ تتدبّر في الرّواية الثّانية وتُحاول استخراج المعاني.

- الرّواية الثّانية: روى السيّد شرف الدّين الإسترآبادي بسنده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: "قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الْكَرَّةُ المُبَارَكَةُ النَّافِعَةُ لِأَهْلِهَا يَوْمَ الْحِسَابِ وَلَايَتِي وَاتِّبَاعُ أَمْرِي، وَوَلَايَةُ عَلِيٍّ وَالْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِمْ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِهَا وَمَعِي وَمَعَ‏ عَلِيٍّ وَصِيِّي وَالْأَوْصِيَاءُ مِنْ بَعْدِهِ. وَالْكَرَّةُ الْخَاسِرَةُ عَدَاوَتِي وَتَرْكُ أَمْرِي وَعَدَاوَةُ عَلِيٍّ وَالْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ يُدْخِلُهُمُ اللهُ بِهَا النَّارَ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ"‏.[شرف الدّين الإسترآبادي، تأويل الآيات، ص737-738].

أقول: إذا تدبّرت في هاتين الرّوايتين الشّريفتيْن وأمعنت النّظر فيهما، اتّضح لديك أنّ ولاية الله تعالى لا تُنال ولا طريق لها إلّا بالخضوع والإنقياد والتّسليم للإمام المعصوم (عليه السّلام)، وأنّ إستعداد المُؤمن للموت معناه معرفة مُحمّد وآل محمّد (عليهم السّلام)، والنّجاة والفَوْز هو معرفة شؤونات ومقامات إمام زمانِنا (عجّل الله تعالى فرجه الشّريف)؛ فلا نجاة مِنْ نار جهنّم إلّا عَنْ طريق معرفة الإمام (عليه السّلام)، وبها تتمّ "الْكَرَّةُ المُبَارَكَةُ النَّافِعَةُ"، فالشّيعي الكيّس هو العارف بإمام زمانه (عليه السّلام)، لأنّه مِنهُ وبه (عليه السّلام) خُلقوا، وإليه (عليه السّلام) يعودون لأنّهم مِنْ عليّين، وغير العارف الّذي هو عدوّهم مخلوق مِنْ سجّين؛ فقد روى العلّامة المجلسي عن الشّيخ أبو جعفر الصفّار في "بصائر الدّرجات" بسنده عَنْ مُحمّد بن مضارب عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال: "إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا مِنْ عِليّين، وجعل أرواح شيعتنا ممّا جعلنا منه، ومِنْ ثمّ تحنّ أرواحهم إلينا وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق عدوّنا من سِجّين وخلق أرواح شيعتهم ممّا خلقهم منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، ومن ثمّ تهوي أرواحهم إليهم".[المجلسي، بحار الأنوار، 25/ 13، ح25، بـ1].
وهذا هو معنى الحديث الشّريف المروي عن العلّامة المجلسي عن فضل الله بن محمود الفارسي في "رياض الجنان" بسنده، قال: "سأل المُفضّل الصّادق (عليه السّلام): ما كُنتم قبل أنْ يخلق الله السّماوات والأرضين؟ قال (عليه السّلام): كُنّا أنوارًا حول العرش نُسبّح الله ونُقدّسه حتّى خلق الله سُبحانه الملائكة؛ فقال لهم: سبّحوا. فقالوا: يا ربّنا لا عِلْم لنا. فقال لنا: سبّحوا؛ فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا، ألا إنّا خُلِقنا من نُور الله، وخُلق شيعتنا من دون ذلك النّور فإذا كان يوم القيامة التحقت السُّفلى بالعُليا، ثُمّ قرن (عليه السّلام) بين أصبعيه السّبابة والوُسطى وقال: كهاتين. ثُمّ قال: يا مُفضّل أتدري لِمَ سُمّيت الشّيعة شيعة؟ يا مُفضّل شيعتنا منّا، ونحن مِنْ شيعتنا، أما ترى هذه الشمس أين تبدو؟ قلت: مِنْ مشرق. وقال: إلى أين تعود؟ قلت: إلى مغرب. قال (عليه السّلام): هكذا شيعتنا، منّا بدؤا وإلينا يعودون".[المجلسي، بحار الأنوار، 25/ 17-18، ح34، بـ1].

فمن قرأ السّطور السّابقة عرف معنى قول النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) كما في الرّواية الأوُلى: "جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، جَاءَ بِالرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ وَالْكَرَّةِ المُبَارَكَةِ إِلَى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لأَهْلِ دَارِ الْخُلُودِ، الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وفِيهَا رَغْبَتُهُمْ، وجَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه بِالشِّقْوَةِ وَالنَّدَامَةِ وَبِالْكَرَّةِ الْخَاسِرَةِ إِلَى نَارٍ حَامِيَةٍ لأَهْلِ دَارِ الْغُرُورِ، الَّذِينَ كَانَ لَهَا سَعْيُهُمْ وفِيهَا رَغْبَتُهُمْ".
ولذلك نحن نُخاطب أهل بيت العِصمة (عليهم السّلام) في "دُعاء الإستئذان"، بقولنا: "َالحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِحُكّامٍ يَقُومُونَ مَقامَهُ لَوْ كَانَ حاضِرًا في المَكَانِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي شَرَّفَنا بِأَوْصِياء يَحْفَظُونَ الشَّرائِعَ فِي كُلِّ الأَزْمانِ، وَاللهُ أَكْبَرُ الَّذِي أَظْهَرَهُمْ لَنا بِمُعْجِزاتٍ يَعْجُزُ عَنْها الثَّقَلانِ.
لا حَوْلَ وَلاقُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ الَّذِي آجَرَنا عَلى عَوائِدِهِ الجَمِيلَة فِي الأُمَمِ السَّالِفِينَ، اللّهُمَّ فَلَكَ الحَمْدُ وَالثَّناءُ العَلِيُّ كَما وَجَبَ لِوَجْهِكَ البَقاءُ السَّرْمَدِيُّ وَكَما جَعَلْتَ نَبِيَّنا خَيْرَ النَّبِيِّينَ وَمُلُوكَنا أَفْضَلَ المَخْلُوقِينَ وَاخْتَرْتَهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ؛ وَفِّقْنا لِلْسَّعِي إِلى أَبْوابِهِمْ العَامِرَةِ إِلى يَوْمِ الدِّينِ وَاجْعَلْ أَرْواحَنا تَحِنُّ إِلى مَوْطِىءِ أَقْدامِهِمْ وَنُفُوسَنا تَهْوِي النَّظَرَ إِلى مَجالِسِهِمْ وَعَرَصاتِهِمْ حَتّى كَأنَّنا نُخاطِبُهُمْ فِي حُضُورِ أَشْخاصِهِمْ؛ فَصَلَّى الله عَلَيْهِمْ مِنْ سادَةٍ غائِبِينَ وَمِنْ سُلالَةٍ طاهِرِينَ وَمِنْ أَئِمَّةٍ مَعْصُومِينَ.
اللَّهُمَّ فَأْذَنْ لَنا بِدُخُولِ هذِهِ العَرَصاتِ الَّتِي اسْتَعْبَدْتَ بِزِيارَتِها أَهْلَ الأَرضِينَ وَالسَّماواتِ، وَأَرْسِلْ دُمُوعَنا بِخُشُوعِ المَهابَةِ وَذَلِّلْ جَوارِحَنا بِذُلِّ العُبُودِيَّةِ وَفَرْضِ الطَّاعَةِ حَتَّى نُقِرَّ بِما يَجِبُ لَهُمْ مِنَ الأَوْصافِ وَنَعْتَرِفَ بِأَنَّهُمْ شُفَعاءُ الخَلائِقِ إِذا نُصِبَتْ المَوازِينُ فِي يَوْمِ الأَعْرافِ، وَالحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ".[عبّاس القُمّي، مفاتيح الجِنَان، ص381-382].

فالكرَّة المبُاركة ولاية مُحمّد وآل محمّد (عليهم السّلام)، والكرّة الخاسرة ولاية أعدائهم (لعنهم الله تعالى).


عجّل الله تعالى لنور آل محمّد وسائقهم والمنتقم بأمر الله من أعدائهم الإمام بقيّة الله الأعظم (عليه وآله السّلام) الفرج ونحن معه. اللّهمّ صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها والعن ظالميها.

& السيّد جهاد الموسوي &
• youtube / channel
• visiblewater.blogspot.com
• facebook